عثمان بن جني ( ابن جني )
113
الخصائص
منقطع الدال . وكذلك قالوا : " مدّ الحبل " " ومت إليه بقرابة " فجعلوا الدال - لأنها مجهورة - لما فيه علاج ، وجعلوا التاء - لأنها مهموسة - لما لا علاج فيه ، وقالوا : الخدأ - بالهمزة - في ضعف النفس ، والخذا - غير مهموز - في استرخاء الأذن ، [ يقال ] : أذن خذواء ، وآذان خذو ، ومعلوم أن الواو لا تبلغ قوة الهمزة . فجعلوا الواو - لضعفها - للعيب في الأذن ، والهمزة - لقوّتها - للعيب في النفس ؛ من حيث كان عيب النفس أفحش من عيب الأذن . وسنستقصى هذا الموضع - فإنه عظيم شريف - في باب نفرده به . نعم ؛ وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا ؛ ألا ترى إلى قول سيبويه : " أو لعلّ الأوّل وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر " ؛ يعنى أن يكون الأوّل الحاضر شاهد الحال ، فعرف السبب الذي له ومن أجله ما وقعت عليه التسمية ؛ والآخر - لبعده عن الحال - لم يعرف السبب للتسمية ؛ ألا ترى إلى قولهم للإنسان إذا رفع صوته ؛ قد رفع عقيرته ؛ فلو ذهبت تشتق هذا ، بأن تجمع بين معنى الصوت ، وبين معنى " ع ق ر " لبعد عنك وتعسّفت . وأصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه ، فرفعها ووضعها على الأخرى ، ثم صرخ بأرفع صوته ، فقال الناس : رفع عقيرته . وهذا مما ألزمه أبو بكر أبا إسحاق " 1 " فقبله منه ، ولم يردده . والكلام هنا أطول من هذا ، لكن هذا مقاده ، فأعلق يدك بما ذكرناه : من أن سبب إهمال ما أهمل إنما هو لضرب من ضروب الاستخفاف ؛ لكن كيف ؟ ومن أين ؟ فقد تراه على ما أوضحناه . فهذا الجواب عن إهمالهم ما أهملوه ، من محتمل القسمة لوجوه التراكيب ، فاعرفه ، ولا تستطله ؛ فإن هذا الكتاب ليس مبنيّا على حديث وجوه الإعراب ؛ وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام ، وكيف بدئ وإلام نحى . وهو كتاب يتساهم ذوو النظر : من المتكلّمين ، والفقهاء ، والمتفلسفين ، والنحاة ، والكتّاب ، والمتأدّبين التأمّل له ، والبحث عن مستودعه ، فقد وجب أن يخاطب كل إنسان منهم بما يعتاده ، ويأنس به ؛ ليكون له سهم منه ، وحصّة فيه ! وأما ما أورده السائل في أوّل هذا السؤال ، الذي نحن منه على سمت
--> ( 1 ) أبو بكر : هو ابن السراج ، وأبو إسحاق : هو الزجاج ، وكلاهما تلميذ المبرد . وكان الزجاج مسرفا في الاشتقاق ، وابن السراج مقتصدا فيه . ( نجار ) .